العودة إلى المدونة
الوقود ليس الأزمة... ماذا كشفت أزمة المحروقات في فلسطين؟
لم تبدأ أزمة الوقود عندما اصطف الناس أمام المحطات، بل بدأت قبل ذلك بسنوات

لم تبدأ أزمة الوقود عندما اصطف الناس أمام المحطات، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، يوم اعتقدنا أن السوق بخير لمجرد أنه يعمل، ولم نسأل يوماً: ماذا لو تعثر؟ فالأزمات لا تولد فجأة بل تنمو بصمت، وما إن تأتي اللحظة المناسبة حتى تسقط الأقنعة دفعة واحدة.
خلال أيام قليلة، تحولت محطات الوقود إلى مرآة تعكس هشاشة اقتصاد بأكمله. لم يكن المشهد مجرد سيارات تنتظر دورها في الطابور، بل كان سؤالاً كبيراً يقف على قارعة الطريق: كيف يمكن لقطاع بهذه الحيوية أن يصبح بهذا القدر من الهشاشة؟
بين البحث عن المتهم واختلال النموذج الاقتصادي
منذ اللحظة الأولى، انشغل الجميع بالبحث عن المتهم، فالبعض أشار إلى أزمة السيولة، وآخرون تحدثوا عن تعثر التوريد، وغيرهم ربط الأزمة بقضية رجل أعمال، بينما رأى آخرون أنها نتيجة طبيعية لسنوات من غياب التخطيط الاستراتيجي. وربما كان الجميع على حق، لكنهم جميعاً كانوا ينظرون إلى الظل بينما كانت المشكلة تقف خلفهم.
ليست المشكلة في شخص، ولا في شركة، ولا حتى في حكومة، بل المشكلة في نموذج اقتصادي كامل أثبت أن استقراره كان أشد هشاشة مما كنا نظن. فالأسواق لا تقاس بقدرتها على العمل في الظروف الطبيعية، وإنما بقدرتها على الصمود عندما تضربها الأزمات. وإذا كان اضطراب محدود قادراً على إرباك قطاع كامل، فإن الأزمة لم تكشف ضعف الأفراد، بل كشفت ضعف المنظومة.
أمن الدولة الاقتصادي بين الشعار والمؤسسة
وهنا، جاء الإعلان عن توجه الحكومة لإنشاء شركة وطنية للمحروقات، وفجأة انقسم الناس إلى فريقين، أحدهما يرى في الدولة المنقذ، والآخر يخشى أن تتحول إلى المحتكر الجديد. لكن كلا الفريقين وقع في الخطأ نفسه حين اختزل القضية في سؤال: من يدير الوقود؟ بينما السؤال الحقيقي هو: كيف يُدار الوقود؟
فالاحتكار لا يصبح فضيلة عندما يرتدي ثوب الدولة، كما أن القطاع الخاص لا يصبح عدواً لأنه يحقق الربح، فالقضية ليست في هوية المالك، بل في قواعد اللعبة. إن الدول لا تبني أمنها الاقتصادي بالشعارات وإنما بالمؤسسات، ولا تحمي مواطنيها بمجرد تأسيس شركة، وإنما ببناء منظومة لا تعتمد على شخص، ولا على شركة، ولا على قرار مفاجئ، ولا على أزمة تأتي من الخارج.
أزمة الوقود أم نقص في الثقة والرؤية؟
إن أخطر ما كشفته أزمة الوقود ليس احتمال نقص الوقود بل احتمال نقص الثقة. فحين يفقد المواطن ثقته بأن سلعة أساسية ستكون متوفرة غداً، فإنه يبدأ بتخزينها اليوم، وهكذا تتحول الشائعة إلى أزمة، ويتحول الخوف إلى وقود يلتهم ما تبقى من السوق، ولهذا فإن الأمن الاقتصادي يبدأ من الثقة قبل أن يبدأ من الخزانات.
إن الدول التي تتعلم من الأزمات لا تبحث عن مذنب تعلق عليه الفشل بل تبحث عن ثغرة تسدها، ولا تغير اللاعبين بل تغير القواعد. وربما تنجح الشركة الحكومية وربما لا تنجح، وربما يبقى القطاع الخاص لاعباً رئيسياً وربما تتغير موازين السوق، لكن كل ذلك سيبقى تفصيلاً صغيراً إذا لم نتعلم الدرس الأكبر.
لقد كشفت الأزمة أن فلسطين لا تحتاج فقط إلى وقود يملأ خزانات السيارات، بل إلى رؤية تملأ فراغ السياسات، وتحتاج إلى اقتصاد يُبنى على التنوع لا على الاعتماد، وعلى المنافسة لا على الامتيازات، وعلى المؤسسات لا على الأشخاص، فالدول القوية ليست تلك التي لا تقع في الأزمات بل تلك التي تخرج منها وهي أكثر حكمة مما كانت.
أما نحن، فلدينا اليوم فرصة نادرة، إما أن نعتبر أزمة الوقود حادثاً عابراً سينتهي مع انتظام وصول الصهاريج إلى المحطات، وإما أن نعتبرها جرس إنذار يدعونا إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الاقتصادي ودور الدولة وحدود السوق ومستقبل القطاعات الاستراتيجية. فالوقود سيعود، والطوابير ستختفي، والناس سينسون، لكن السؤال الذي سيبقى عالقاً فوق رؤوسنا جميعا هو: هل كانت أزمة الوقود مجرد نقص في المحروقات، أم أنها كانت لحظة كشفت لنا أن ما يحتاج إلى إعادة التعبئة ليس خزانات السيارات بل طريقة تفكيرنا في إدارة الاقتصاد؟
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.