العودة إلى المدونة

سبسطية... حماية الأرض والآثار بأدوات متناثرة
رغم الأزمة الاقتصادية العامة، والتي تضرب المطاعم وقطاع السياحة الداخلية بالمجمل، إلا أن وجهاً مضاعفاً للأزمة يعاني منه أمجد علي، وهو صاحب مط
سياسات ثقافية- سياسات اقتصادية

نابلس - لارا ياسين – منصة ظل
تعيش بلدة سبسطية أزمة مركبة تتجاوز تداعياتها الاقتصادية العامة التي تضرب قطاعي المطاعم والسياحة الداخلية، لتصل إلى تهديد وجودي يمس هويتها وأراضيها. ويعكس أمجد علي، وهو صاحب مطعم يقع في المنطقة المهددة بالمصادرة قرب الموقع الأثري، الوجه المضاعف لهذه الأزمة، مشيراً إلى أن معاناتهم لم تبدأ مع قرارات المصادرة الأخيرة، بل يعيشون إغلاقاً تاماً وشاملاً منذ أيار 2023. ورغم محاولات أصحاب المنشآت تنشيط السياحة عبر مبادرات فردية، والتواصل مع الشركات لتنظيم رحلات قادت لانفراجة محدودة في شباط الماضي، إلا أن الحرب الأخيرة ألغت جميع الحجوزات وأوقفت برامج السياحة الداخلية كلياً.
سياسات المصادرة والتهويد بغطاء أثري
لم تقف الإجراءات الإسرائيلية عند التضييق الاقتصادي؛ ففي شباط الماضي، أصدر الاحتلال أمراً عسكرياً بمصادرة 2067 دونماً، بالتركيز على المنطقة الأثرية في البلدة. وقد رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا اعتراضات الأهالي بادعاء عدم ملكيتهم للأرض، في حين يرفض السكان التوجه إلى الإدارة المدنية للحصول على تعويض مالي لقاء مصادرة أخرى شملت 268 دونماً في المنطقة ذاتها. وفي هذا السياق، يحذر رئيس بلدية سبسطية محمد عازم من أن هذا القرار لا يقتصر فقط على المنطقة الأثرية البالغة مساحتها حوالي 300 دونم، بل يهدد بإزالة منشآت سياحية ومنازل قائمة قبل عام 1967. ويمتد التأثير الكارثي ليضرب القطاع الزراعي، حيث تضم المنطقة المصادرة أكثر من 6000 شجرة زيتون معمرة، يزيد عمر بعضها عن 300 عام، وتشكل مصدر الدخل الرئيسي للسكان.
وتترافق هذه المصادرات مع سياسات تهويد ميدانية ممنهجة بذريعة حماية المنطقة الأثرية؛ إذ فرضت سلطات الاحتلال قيوداً مشددة على وصول المزارعين إلى أراضيهم، وبات الدخول إليها أو حراستها أو حتى تقليم أشجارها يتطلب تنسيقاً مسبقاً. وبالتوازي مع ذلك، تتسارع عمليات التهويد من خلال تسمية المناطق بأسماء يهودية، وتعليق شاخصات تروي ادعاءات بوجود أصول يهودية للمنطقة، إضافة إلى إغلاق شارع الأعمدة الرومانية بسواتر ترابية ومنع مرور السكان تماماً، وتنفيذ عمليات تنقيب مستمرة بحماية الجيش، ونقل اللقى الأثرية إلى المستوطنات المجاورة والمتاحف الإسرائيلية.
جهود ميدانية وحراك دولي لكسر العزلة
في مواجهة هذه السياسات، تتحرك الجهات الرسمية والمحلية ضمن مسارات متوازية لإثبات الملكية الفلسطينية والحفاظ على تاريخ الموقع. وتعمل وزارة السياحة والآثار، بالتعاون المباشر مع بلدية سبسطية، على رفع ملف البلدة إلى اليونسكو بهدف إدراج الموقع الأثري ضمن لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر. وعلى الصعيد الميداني، يوضح مدير دائرة السياحة والآثار في محافظة نابلس ضرغام فارس، أن الوزارة نفذت عدة مشاريع في المنطقة، شملت افتتاح مركز تفسير وتأهيل المواقع الأثرية لتحسين جاهزيتها السياحية. وتضمنت هذه الأعمال تأهيل المقبرة الرومانية المقببة عبر إزالة آثار التخريب وتنظيف الموقع، وإجراء ترميمات جزئية للحجارة والتوابيت، وتدعيم الجدران الاستنادية لمنع الانهيارات، وتنظيف الغرف السفلية وإعادة تأهيل مداخلها، بالإضافة إلى تنظيف وترميم المقبرة الرومانية الشرقية، وطلاء الحمايات المعدنية والسلالم لتحسين السلامة العامة، مع استمرار العمل لإعداد لوحات تعريفية ومجسمات توضيحية للموقع.
من جانب آخر، تعمل بلدية سبسطية، كما ينوه عازم، على جمع اعتراضات الأهالي بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والارتباط الفلسطيني، لتسجيل اعتراضات قانونية عبر جمع أوراق إثبات الملكية للأراضي والمنازل والمنشآت السياحية المسجلة ما قبل الاحتلال عام 1967. ويكشف عازم عن التحضير لمشروع يعتبره استراتيجياً بتمويل كوري سيقام في المناطق المصنفة "ب" في البلدة، يهدف إلى تهيئة المنطقة لاستقبال الزوار وتنشيط الحركة السياحية، بالتوازي مع حملة مناصرة دولية واستقبال وفود أجنبية ودبلوماسيين لاطلاعهم على واقع الانتهاكات، كجزء من حراك طويل للحفاظ على أراضي البلدة.
ملايين الشواكل لـ "الالتهام الاستيطاني".. ومواجهة الضم بـ "أدوات متناثرة"
يتصاعد الضغط المركب على البلدة التي تتعرض لاقتحامات متكررة تكاد تكون يومية، في ظل فجوة هائلة في موازين القوى وإدارة الموارد. وكجزء من تصعيد التضييق، وُضعت المنطقة تحت إدارة مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية، الذي يرأسه "يوسي دوغان" القاطن في مستوطنة "شافي شمرون" القريبة. وقد بدأت عمليات تنقيب استيطانية خُصص لها موازنات ضخمة تصل إلى حوالي 33 مليون شيكل، مع اعتماد "شافي شمرون" كنقطة ارتكاز لهذا المشروع. في المقابل، تواجه الطواقم الفلسطينية تحديات أمنية بالغة الخطورة؛ إذ يشير فارس إلى أن طواقم الترميم والتنظيف من موظفي الوزارة يتعرضون لاعتداءات متتالية منذ العام 2023، تخللها احتجاز العاملين ومصادرة معداتهم. ويؤكد فارس أنه استُدعي للتحقيق ثلاث مرات ولم يذهب، موضحاً أن اعتداءات المستوطنين تمتد إلى المناطق المصنفة "ب" حيث يتواجدون باستمرار، وقد تعرض أحد طواقم الوزارة لاعتداء مباشر من قبلهم في مركز التفسير في كانون الثاني الماضي.
وأمام هذا المشهد الذي تواجه فيه سبسطية مخططات الضم، يدعو عازم إلى ضرورة تعزيز التنسيق بين جميع الأطراف لتصميم تدخلات تدعم صمود البلدة وتحافظ على منطقتها الأثرية. ويطالب برفع مستويات التعاون مع الوزارة، وتنفيذ زيارات رسمية دورية لوزير السياحة والآثار والحكومة إلى الموقع الأثري، ووضع سبسطية على سلم أولويات الدعم والإسناد. وعلى المستوى الاستراتيجي، تبرز الحاجة الملحة لإجراء مراجعة وطنية شاملة لانعكاسات القرارات الإسرائيلية الأخيرة بمصادرة الأراضي تحت مسمى منطقة أثرية، وتصميم استراتيجية وطنية شاملة وتكاملية للحفاظ على المناطق الأثرية والموروث الحضاري كملكية فلسطينية، عبر دمج التدخلات المحلية مع حراك دولي داعم يضمن حماية الأرض والآثار بأدوات استراتيجية تتجاوز الجهود المتناثرة.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.