العودة إلى المدونة
"فضا": مستودع الأبحاث الأكاديمي في "بيرزيت" يخسر باحثيه أمام منصات دولية
يحتضن المستودع نحو ستة آلاف وثمانمائة وثيقة، لكن تهاجر آلاف الأبحاث والرسائل الأخرى -التي يُقدر عددها بنحو 25 ألفاً- إلى منصات أجنبية، أو تظ
بيرزيت- نتال قليبو- منصة ظل:
مع كل بحث جديد ينجزه، يجد الأستاذ والباحث في التاريخ د.موسى سرور، من جامعة بيرزيت، نفسه أمام خيارين: إما تحميله على منصات التواصل الأكاديمي العالمية مثل (ResearchGate) في غضون دقيقتين، أو خوض متاهة رفعه على "فضا" (FADA)، المستودع الرقمي الرسمي للجامعة، وهو مسار غير مضمون إذ قد لا يظهر انتاجه حتى على منصات البحث الداخلي في الجامعة.
يقول د. سرور، واصفاً تجربته: "أودعت بحثي في مستودع فضا، لكنه اختفى خلف واجهة لا تُسلّمه لمن يبحث عنه"، مضيفاً أن المنصات الأجنبية باتت الخيار الأسهل والأكثر ضماناً للوصول إلى الجمهور الأكاديمي.
هذه الحالة ليست فردية، بل تعكس تحدياً بنيوياً في المستودع الرقمي لأعرق الجامعات الفلسطينية، والذي جاء بمبادرة طلابية عام 2004 ليكون الذاكرة الرقمية للجامعة، واليوم بعد 22 عاماً من إنشائه، يحتضن المستودع نحو ستة آلاف وثمانمائة وثيقة، لكن تهاجر آلاف الأبحاث والرسائل الأخرى -التي يُقدر عددها بنحو 25 ألفاً- إلى منصات أجنبية، أو تظل حبيسة الأدراج.
فجوة رقمية وعقبات تقنية
يجمع الأكاديميون، في مجتمع بيرزيت، على أن عملية ترويج الإنتاج البحثي عبر "فضا"، بعد صدوره، معقدة وغير سلسة، تواجه عدة ثغرات تقنية، تتمحور حول ضعف قدرة محركات البحث على إظهار الأبحاث في نتائج البحث الداخلي، أو عبر قواعد البيانات الدولية مثل "الباحث العلمي من جوجل" (Google Scholar).
إلى جانب ذلك، يعاني الباحثون من تعقيد واجهة الرفع في "فضا" مقارنة بالمنصات المنافسة، وغياب الميزات الأساسية مثل تتبع الاقتباسات وأدوات التحليل الأكاديمي، ما دفع العديد من الأساتذة لتفضيل منصات بديلة مثل (Academia) ، وكنتيجة مباشرة لذلك، تخسر جامعة بيرزيت -التي تتصدر الجامعات الفلسطينية في تصنيف (SCImago) لعام 2025- جزءاً من رصيدها البحثي لصالح منصات لا تعكس هويتها الأكاديمية.
تحديات ثقافية وإدارية
أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة الماسة لتدخل مؤسسي يعالج الفجوة، غير أن الحلول المقترحة تصطدم بعقبات وثقافة مؤسساتية سائدة داخل الحرم الجامعي. وفي هذا السياق، يشير نائب الرئيس للشؤون الاكاديمية المساعد للعلاقات الاكاديمية الخارجية د. ايهاب ابو عجمية إلى أن "فكرة توظيف الطلاب لمساعدة الأساتذة في رفع أبحاثهم تصطدم بعائق ثقافي؛ فالأستاذ الباحث يرى نفسه صاحب خبرة ومعرفة، وتقبّله لتوجيه طالب في هذا الشأن قد يكون أمراً غير واقعي في البيئة الأكاديمية الحالية".
هذا الواقع يوجه البوصلة نحو حل أكثر نضجاً وقابلية للتطبيق، يتمثل في تطوير المنظومة البرمجية ذاتها، بدلاً من محاولة تغيير السلوكيات جذرياً عبر التوظيف الخارجي، وهو خيار مكلف في مؤسسة تذهب نحو 70% من ميزانيتها لرواتب العاملين.
مشاريع التخرج.. بديل سياساتي فعّال
عوضاً عن البحث عن ميزانيات إضافية، يبرز بديل سياساتي عملي يتمثل في توظيف نظام "مشاريع التخرج" لطلبة تكنولوجيا المعلومات والهندسة لتطوير مستودع "فضا" من الداخل وإعادة بنائه خلال فصلين دراسيين. تُنفذ هذه الفكرة على مراحل تبدأ بالتشخيص التقني وتصميم واجهة سهلة الاستخدام، تليها مرحلة التطوير لربط المستودع بقواعد البيانات الدولية وفق معايير (Dublin Core)، وصولاً إلى مرحلة الاستدامة عبر دمج صيانة النظام ضمن مشاريع دورية متعاقبة.
ولضمان جودة المخرجات تقنياً وإدارياً، يتطلب هذا البديل حوكمة مؤسسية تعتمد نموذجاً من الإشراف المزدوج: إشراف أكاديمي من أساتذة تكنولوجيا المعلومات، وإشراف تقني من مسؤولي النظام في الجامعة، مع إلزامية التوثيق التقني ومراجعة الشيفرات (Code Review) لضمان تراكم المعرفة وعدم انقطاعها بين الدفعات الطلابية.
رغم التحديات المتمثلة في ضرورة تقييم البنية التحتية، ومنح صلاحيات للطلاب، ومقاومة التغيير، إلا أن جامعة بيرزيت تمتلك مقومات النجاح: البنية التحتية، والعقول الشابة المتخصصة، ونظام مشاريع التخرج. وما تحتاجه اليوم هو قرار مؤسسي يربط هذه العناصر؛ ليتحول تطوير منصاتها إلى استثمار استراتيجي يعيد للجامعة ذاكرتها، ويرسخ حضورها البحثي في الفضاء الرقمي.

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.