العودة إلى المدونة

أزمة المقاصة : غياب الرواتب يخنق الاستقرار الأسري بصمت
بعد تسعة وعشرين عاماً من العمل مديرة عامة لحفظ السجلات ومتابعة الإجراءات البرلمانية، وجدت نفسها تواجه معادلة معيشية مستحيلة

في منزلها بمدينة رام الله، تجلس أمينة محمد زهران (53 عاماً) أمام مائدة العشاء مع أطفالها، تحاول إخفاء قلقها بابتسامة ضعيفة لا تعكس حقيقة العاصفة التي تعصف بأسرتها. بعد تسعة وعشرين عاماً من العمل مديرة عامة لحفظ السجلات ومتابعة الإجراءات البرلمانية، وجدت نفسها تواجه معادلة معيشية مستحيلة، إثر انخفاض راتبها بنسبة 77%، ليصل من 7800 شيكل إلى 1800 شيكل فقط بعد الخصم البنكي، لتصبح مطالبة بإعالة أسرة من ثلاثة أفراد تعتمد عليها بالكامل، تتكون من الأم، وفتاة جامعية، وفتى في الصف الأول الثانوي يعاني من فاقد تعليمي كبير.
تقول أمينة بحزم: " 2000 شيكل مستحيل أن يفتحوا البيت". لم تعد أمينة قادرة على شراء الملابس الأساسية لأطفالها، أو إصلاح غسالتها المعطلة، لتجد نفسها تغسل يدوياً من أجل توفير مصروف ابنتها الجامعي، وهي التي اضطرت للاستدانة من أهلها، واللجوء إلى أخصائية نفسية لتفريغ الضغط النفسي الذي لم تعد تحتمله. تضيف بحزن "المستقبل أصبح مبهماً لنا ولأولادنا، نحن نعيش في العجاف، بل حتى أعجف من العجاف". تشكل معاناة أمينة صورة مصغرة لواقع يعيشه عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين الفلسطينيين وأسرهم، حيث تحولت الأزمة المالية إلى زلزال اجتماعي ضرب أسس الاستقرار الأسري وحول الضغط المالي إلى عبء نفسي ثقيل.
المقاصة تفتك بالأسرة الفلسطينية
تتجاوز قصة أمينة حدود المعاناة الفردية لتصطدم ببنية السياسة العامة الفلسطينية، وتحديداً بآلية أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3% بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994. تشكل هذه الأموال حوالي65% إلى 70% من إجمالي إيرادات السلطة، مما يجعلها شريان الحياة المالي الأساسي للوظيفة العمومية.
بدأت أزمة احتجاز أموال المقاصة الحالية، كأداة ضغط سياسي عام 2019، عندما شرعت سلطات الاحتلال في اقتطاع مبالغ موازية لمخصصات الأسرى والشهداء. وتصاعدت الأزمة بشكل غير مسبوق بعد أكتوبر 2023، حيث أحكمت إسرائيل قبضتها على هذه الإيرادات بشكل شبه كامل، مما تسبب في عجز مالي خانق للحكومة الفلسطينية حال دون قدرتها على دفع رواتب موظفيها بانتظام.
قرارات استثنائية تشل الخدمات العامة
تعتمد الحكومة الفلسطينية بشكل بنيوي على أموال المقاصة لتغطية فاتورة الرواتب الشهرية البالغة ملياراً وخمسين مليون شيكل لـ 153 ألف موظف حكومي موزعين على قطاعات حيوية. وفي ظل الحصار المالي، اتخذت الحكومة إجراءات استثنائية، حيث صرفت نسباً جزئية من الرواتب تراوحت بين 50% و70% بحد أدنى يتراوح بين 2000 شيكل حتى 3500 شيكل حسب الوضع المالي لكل شهر، لتنخفض في ذروة الأزمة إلى دفعات نقدية لا تتجاوز 2000 شيكل فقط.
ومع عجز الموظفين عن دفع تكاليف المواصلات من رواتبهم المتآكلة، أصدر مجلس الوزراء القرار رقم (2259) بتاريخ 17 يوليو 2025 لتقليص دوام الموظفين العموميين من خمسة أيام إلى يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً. ورغم أن هذه السياسة صُممت كآلية صمود مؤقتة لتخفيف الأعباء، إلا أنها أدت في الواقع إلى شلل الخدمات العامة، فالمدارس الحكومية قلصت دوامها بشكل كبير، والمستشفيات الأهلية تراكمت ديونها على الحكومة لتتجاوز مليار دولار.
تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن عمق الفجوة المالية، إذ يبلغ الدين العام الإجمالي للسلطة حوالي 46 مليار شيكل، والأموال المحتجزة لدى الاحتلال تتجاوز 4.5 مليار دولار ما يعادل 15 مليار شيكل، وهو ما يمثل حصاراً مالياً خانقاً يشل نفقات الحكومة الأساسية. يضاف إلى ذلك أن الموظفين الفلسطينيين لم يتلقوا راتباً كاملاً منذ نوفمبر 2021، أي لمدة تتجاوز أربع سنوات كاملة، مما يعني تصفية كاملة للمدخرات العائلية، وعجز المستشفيات الخاصة عن تقديم العلاج، ووصول المدارس الحكومية إلى حالة شلل نتيجة عدم قدرة المعلمين على تغطية تكاليف مواصلاتهم.
الحل الاقتصادي غير كاف
يشدد الخبير الاقتصادي أيهم أبو غوش على أن الحل الاقتصادي وحده غير كافٍ بكل تأكيد، مؤكداً أن استعادة الاستقرار الأسري تتطلب حراكاً سياسياً ودبلوماسياً دولياً للضغط على الاحتلال للإفراج عن أموال المقاصة ووقف اقتطاعات صافي الإقراض. وثانياً، إجراء "عملية جراحية" حكومية عميقة لضبط الإنفاق العام وإعادة هيكلة فاتورة الرواتب من خلال تقليص الرواتب العليا وإلغاء أية استثناءات. وعلى الصعيد الاجتماعي، يرى أبو غوش ضرورة ملحة لصياغة ميثاق اجتماعي وطني لتقليص مصاريف المناسبات الاجتماعية والظواهر الاستهلاكية، مختتماً رؤيته بأن: الحل هو حل سياسي وليس حلاً اقتصادياً منعزلاً عن الواقع السياسي الفلسطيني. ودون تحقيق اختراق سياسي حقيقي، ستبقى الأزمة قائمة والضائقة مستمرة".
تُقاس كفاءة السياسة العامة بمائدة أمينة زهران؛ فالنجاح يُقاس بقدرة السياسات الفعلية على إعادة تشغيل غسالة أمينة، وتأمين مواصلات ابنتها الجامعية، وتعويض طفلها عن فاقده التعليمي. وهذا ما يعيد تعريف الصمود على قاعدة بقاء هذه الأسر بكرامة وأمان، كهدف لكل السياسات العامة، فكل يوم يمر يزيد من معاناة الأسر الفلسطينية ويعمق الجراح الاجتماعية والاقتصادية.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.