العودة إلى المدونة
سياسات اجتماعية

التعليم في فلسطين.. نظام طوارئ دائم يخلق أزمة مستدامة

5 دقائق قراءة 27 يوليو 2026
التعليم في فلسطين.. نظام طوارئ دائم يخلق أزمة مستدامة

"تجربة فاشلة جداً".. بهذه العبارة المقتضبة تلخص "أم مؤمن"، وهي أم لأربعة أطفال في المرحلة الابتدائية بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية،

نابلس- أفنان دويكات- منصة ظل:

"تجربة فاشلة جداً".. بهذه العبارة المقتضبة تلخص "أم مؤمن"، وهي أم لأربعة أطفال في المرحلة الابتدائية بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، معاناتها اليومية مع نظام التعليم عن بُعد. يبدأ يومها بسباق مع الزمن لمتابعة الحصص المدرسية وتجهيز الأجهزة الإلكترونية وسط تذبذب شبكة الإنترنت، لتجد نفسها مضطرة للمفاضلة بين أطفالها لعدم توفر سوى ثلاثة أجهزة في المنزل. وتتساءل الأم بمرارة: "كيف للطفل أن يتعلم النظام والانضباط وهو يداوم ثلاثة أيام فقط؟"، مشيرة إلى أن أحد أطفالها لم يتلقَّ تعليماً تأسيسياً فعلياً منذ جائحة كورونا. وتعكس تجربة أم مؤمن واقعاً مأزوماً تعيشه مئات الآلاف من العائلات الفلسطينية، حيث تحول التعليم من حق أساسي مستقر إلى "نظام طوارئ دائم"، ما ينذر بانهيار مخرجاته وتراكم ما يُعرف بـ"الفاقد التعليمي" لسنوات قادمة.
أرقام صادمة وواقع ميداني مأزوم
لم يأتِ التحول نحو خيارات التعليم عن بُعد أو التعليم المدمج كجزء من خطة تطوير مؤسسية، بل فرضته سلسلة من الأزمات المعقدة والمتتالية؛ بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بإضرابات المعلمين، وصولاً إلى الحرب المستمرة على قطاع غزة. وتشير إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة التربية والتعليم إلى أرقام غير مسبوقة في حجم تعطل العملية التعليمية؛ ففي قطاع غزة، حُرم أكثر من 625 ألف طالب من حقهم في التعليم بشكل كامل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتعرضت أكثر من 80% من المدارس والمرافق التعليمية للتدمير الكلي أو الجزئي. وفي الضفة الغربية، أدت سياسات الإغلاق ونشر مئات الحواجز العسكرية إلى إعاقة وصول آلاف الطلبة والمعلمين إلى مدارسهم، لا سيما في المناطق المصنفة (ج) والتجمعات البدوية والمخيمات، ما ضرب مفهوم "العدالة في الوصول إلى التعليم" في صميمه.
قيود بنيوية وأزمة مالية تعمق الفجوة
على المستوى الاقتصادي، شكّلت الأزمة المالية، الناجمة عن استمرار إسرائيل في اقتطاع وحجز أموال المقاصة الفلسطينية، ضربة قاصمة لاستقرار النظام التعليمي. فقد أدى هذا العجز المالي إلى تقاضي المعلمين نسباً منقوصة من رواتبهم (تتراوح بين 50% إلى 60%) منذ أواخر عام 2021، ما أسفر عن حراك نقابي وإضرابات متكررة، انتهت بتقليص الدوام المدرسي الوجاهي في العديد من المدارس الحكومية إلى يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً. وفي هذا السياق، يوضح الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم، أيوب عليان، أبعاد المشكلة قائلاً: "نقر بوجود فاقد تعليمي كبير تراكم خلال السنوات الماضية، لكن معالجة هذا الخلل البنيوي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورة إيجاد حلول جذرية للأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة، والتي تعيق تنفيذ خطط التعويض والاستقرار الإداري". بالمقابل، أدى هذا الواقع إلى اتساع الفجوات الطبقية، حيث استطاعت العائلات المقتدرة تعويض أبنائها عبر التعليم الخاص أو الدروس الخصوصية، بينما تُرِكت العائلات الأقل حظاً لتواجه تراجع مستويات أبنائها الأكاديمية.
اتساع الفاقد التعليمي ومخاطر استدامة الطوارئ
يُعرّف "الفاقد التعليمي" بأنه الفجوة بين ما خُطط لإنجازه في المنهاج الدراسي وبين ما اكتسبه الطلبة فعلياً. وتظهر تقارير دولية، بينها بيانات للبنك الدولي، أن معدلات "فقر التعلم" (وهي نسبة الأطفال الذين لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط في سن العاشرة) كانت مرتفعة في المنطقة قبل الأزمات الأخيرة، إلا أنها تضاعفت في السياق الفلسطيني مع فقدان الطلبة لجزء كبير من أيام التمدرس الطبيعية. وتشير بيانات الائتلاف التربوي الفلسطيني إلى أن الدوام الفعلي في بعض المدارس لم يتجاوز 50 يوماً خلال فصول دراسية كاملة. ويحذر رئيس الائتلاف التربوي والخبير في شؤون التعليم، د. رفعت الصباح، من خطورة المشهد موضحاً: "أزمة الفاقد التعليمي كانت قائمة وتتراكم منذ عام 2010، لكنها تفاقمت بشدة اليوم مع استمرار الانقطاع وتقليص المناهج لاسيما في الصفوف الأولى. استمرار ربط التعليم بنظام الطوارئ دون مأسسته كجزء من نظام تعليمي شامل، سيؤدي إلى انهيار تدريجي في مخرجات المنظومة، وارتفاع معدلات الأمية وضعف المهارات الأساسية لدى الطلبة".
نحو استراتيجية وطنية شاملة للإصلاح
إن العودة إلى تجربة ملايين الطلبة الفلسطينيين تؤكد أن أزمة التعليم تتجاوز مجرد سرد الأرقام لتشكل تهديداً يمس الأمن المجتمعي ومستقبل الأجيال، وهو ما يتطلب تدخلاً سياساتياً عاجلاً ينتقل بالمنظومة من حالة إدارة الأزمات المؤقتة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة ومستدامة. ويستدعي تحقيق هذه الرؤية إعادة هيكلة الموازنة العامة لإيجاد شبكة أمان تضمن انتظام رواتب المعلمين بوصفهم حجر الزاوية في الإصلاح، إلى جانب مأسسة التحول الرقمي كجزء أصيل من النظام التعليمي المعتمد وتوجيه الموارد للمناطق المهمشة لضمان تكافؤ الفرص. كما تتطلب المرحلة تصميم وتطبيق اختبارات تشخيصية وطنية لقياس الفاقد التعليمي بدقة، وإعادة ترتيب أولويات المنهاج بالتركيز الكثيف على المهارات التأسيسية، فضلاً عن تعزيز اللامركزية بمنح مديريات التربية والتعليم صلاحيات أوسع لاتخاذ القرارات الميدانية، وتفعيل دور الأسرة والمجتمع المحلي في إسناد العملية التعليمية لحماية المنظومة من الانهيار.
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق