العودة إلى المدونة
سياسات اجتماعية

الفاقد التعليمي يهدد المنظومة التربوية في فلسطين

5 دقائق قراءة 17 يوليو 2026
 الفاقد التعليمي يهدد المنظومة التربوية في فلسطين

انعكست هذه البيئة غير المستقرة سلباً على نتائج مشاركة طلبة فلسطين في الاختبارات الدولية

رام الله- فرح صادق- منصة ظل:

في منزلها بمدينة الخليل، تقف ولية الأمر نجود الدودة شاهدةً على انحدار الكفاءة القرائية والكتابية لدى أبنائها، في واقع يختزل أزمة جيل كامل يواجه خطر التجهيل القسري. تروي الدودة بمرارة تداعيات ستة سنوات لم يشهد فيها قطاع التعليم عاماً دراسياً طبيعياً واحداً، "الأولاد بطلوا يعرفوا يقروا ويكتبوا.. ابني في الصف التاسع ولا يمتلك الحد الأدنى من المهارات المعرفية التي يجب أن يمتلكها. ما يحدث حرام، ولسنا ندري لمن نوصل صوتنا، الأولاد ضاعوا، وهو الآن على أعتاب الصف العاشر وأخشى ألا يتمكن من إكمال مسيرته التعليمية". وتتابع بحسرة: "منذ جائحة كورونا والتعليم ليس بخير، تارةً نتحول إلى التعليم الإلكتروني بسبب الوباء والعدوان المستمر، وتارةً تتوقف المدارس جراء الإضرابات الناجمة عن عدم تلقي المعلمين رواتبهم كاملة، وتارةً يتسبب اجتياح الاحتلال في تعطيل المسيرة التدريسية، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، حتى بات ابني يرفض الذهاب إلى المدرسة".
تُلخص هذه الشهادة عمق أزمة "الفاقد التعليمي" التي استشرت في النظام التربوي الفلسطيني دون أفق حقيقي للحل، نتيجة تداخل معقد بين اعتداءات الاحتلال وحصاره المالي، والإشكالات البنيوية في إدارة الأزمة حكومياً. وتحول الهدر التعليمي من عارض مؤقت إلى نزيف مستدام وتراكمي، تفاقم بفعل الدوام المجتزأ وفق نظام الطوارئ، إذ اقتصر دوام المدارس الحكومية العام الماضي على أربعة أيام أسبوعياً، وتقلص في العام الحالي إلى ثلاثة أيام فقط، مما أدى إلى تقزيم المادة الدراسية المقطوعة وتعميق الفجوة المعرفية لدى الطلبة.

مؤشرات مقلقة تكشف عمق التراجع المعرفي

تظهر البيانات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي حجم الكارثة الهيكلية، إذ تسبب تقليص زمن الحصة الصفية من 45 دقيقة إلى 40 دقيقة في ضياع ما يعادل 24 يوماً دراسياً كاملاً من زمن التعلم الفعلي. وفي الوقت الذي يبلغ فيه عدد أيام العام الدراسي الطبيعي 180 يوماً، تراجع هذا الرقم إلى 90 يوماً فقط نتيجة نظام الدوام الثلاثي، مترافقاً مع تدني نسبة التحاق الطلبة بالمنصات الإلكترونية البديلة والتي لم تتجاوز حاجز 60 %.
انعكست هذه البيئة غير المستقرة سلباً على نتائج مشاركة طلبة فلسطين في الاختبارات الدولية، وتوجت المؤشرات المقلقة بما أورده تقرير المتابعة والتقييم السنوي الصادر عن الوزارة للعام 2025، إذ كشف التقرير عن تراجع حاد وصادم في نسب تحصيل طلبة الصفين الخامس والتاسع في المباحث الأساسية. وسجلت نسبة التحصيل لطلبة الصف الخامس الأساسي 51% بالمئة في اللغة العربية، و 33% في العلوم، و 32% بالمئة في الرياضيات، في حين انحدرت هذه النسب لدى طلبة الصفين التاسع الأساسي لتصل إلى 45% بالمئة في اللغة العربية، و 28% بالمئة في العلوم، و 27% بالمئة في الرياضيات.
يرى الخبير التربوي ثروت زيد "أن المنظومة التعليمية عانت من تراجع تدريجي وممنهج تمثل في تقليص المدى الزمني للحصص وأيام الدوام، والتقزيم المتزامن للمحتوى التعليمي دون استناد إلى رؤية علمية. ويضيف زيد أن هذا التراجع تم دون إعادة تصميم علمي ومنهجي للمناهج الدراسية، مما تسبب في مضاعفة الفاقد التعليمي، وعدم مراعاة التراكم المعرفي والتتابع المنهجي اللازمين لتحقيق الأهداف الوطنية والتربوية، ما أدى إلى كسر تسلسل المفاهيم وفرض قفزات معرفية قسرية على الطالب دون تأسيس متين".

مدارس صيفية في مواجهة واقع تمويلي ضبابي

في محاولة لتدارك هذا التدهور، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي عن خطة إستراتيجية تعويضية، حيث يوضح المتحدث باسم الوزارة، صادق الخضور، "أن الخطة التي أطلقها وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم مطلع أيار من العام 2026، تقوم على عقد مخيمات صيفية مكثفة تحمل صبغة "المدارس الصيفية"، وتستهدف سد الفجوة في مباحث اللغات، والعلوم، والرياضيات، لوقف النزيف التراكمي وتحديداً في الصفوف الأساسية الستة الأولى".
حسب تصريحات لوزير التربية والتعليم العالي، أشار برهم إلى تفاصيل الآلية التنفيذية مبيناً أن هذه المخيمات ستنطلق منتصف تموز من العام 2026 وتمتد لشهر كامل عبر 500 تجمع مدرسي تنسقها إدارات التعليم والأنشطة في الوزارة. ويتلقى الطلبة يومياً 4 حصص، 3 منها تعليمية تركز على المهارات الأساسية وكل تعلم سابق يلزم لبناء تعلم لاحق، وحصة رابعة ترفيهية تفريغية. ورغم هذه الجهود، يقر الخضور بالمعضلة القائمة مشيراً إلى أنه "حسابياً، ومع ضياع عشرات آلاف الحصص على الطلبة، فإن فكرة المدارس الصيفية ضرورية، مع الإقرار بأن تعويض الفاقد المتراكم في برنامج مدته الزمنية محدودة يظل موضع شك، ما يؤكد حتمية السعي لتنفيذ عام دراسي منتظم واحد على الأقل مستقبلاً لتعويض ما يمكن تعويضه".
تصطدم هذه الخطة النظرية بجدار الأزمة المالية للحكومة، والتي كانت سبباً رئيساً في تقليص أيام الدوام الرسمي ابتداءً نتيجة العجز عن صرف رواتب المعلمين كاملة بفعل الحصار المالي واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية من قبل سلطات الاحتلال. وفي ظل عدم قدرة الموازنة العامة على تمويل هذه المخيمات، تتطلع الوزارة إلى الجهات الدولية الداعمة والقطاع الخاص، إذ تشير التقديرات إلى أن الميزانية المتوقعة للمشروع تبلغ 1.5 مليون دولار، وتستهدف تغطية مكافآت المعلمين، والقرطاسية، والضيافة، عبر شراكات مرتقبة مع منظمة اليونيسف ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع المصرفي وشركات الاتصالات، مما يجعل إنفاذ الخطة مرهوناً بمدى توفر هذه التمويلات الخارجية والمسؤولية المجتمعية.

من توصيف الأزمة إلى تحمل المسؤولية

تتجاوز أزمة الفاقد التعليمي في فلسطين بُعدها التربوي الخالص لتلامس التزامات المنظومة الدولية والوطنية تجاه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، والداعي إلى ضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع، وتعرّي الشعارات الأممية حول عدم ترك أحد خلف الركب. وبناءً على التحليل البنيوي للمشكلة، تتبلور جملة من التوجهات السياساتية القابلة للتنفيذ لإنقاذ المسيرة التعليمية، حيث يُطالب مجلس الوزراء بتبني سياسات مالية استثنائية تعزز من صمود قطاع التعليم، وعزل مخصصات المعلمين ورواتبهم عن تداعيات الأزمة المالية عبر رفع نسب الصرف المتاحة لهم، باعتبار التعليم قطاعاً سيادياً لا يحتمل التعطيل.
على المستوى التربوي التخصصي، يتوجب على وزارة التربية والتعليم العالي المضي في إعادة هندسة المناهج بما يتوافق مع الدوام الفعلي، وتصميم رزم تعليمية مرنة تركز على الكفايات الأساسية والتتابع المعرفي، بدلاً من الاكتفاء بالحلول الموسمية والمؤقتة كالمخيمات الصيفية ذات الشهر الواحد. ويتكامل هذا الجهد مع الدور الدولي والأممي، إذ يتعين على المنظمات الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو واليونيسف، ممارسة ضغوط حقيقية ودبلوماسية على سلطات الاحتلال لوقف الاقتحامات والاجتياحات التي تطال المدن والمخيمات الفلسطينية وتتسبب في تدمير المدارس والتعطيل القسري للدراسة، والضغط للإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة.
ينعقد الرهان الأخير على تفعيل دور المسؤولية المجتمعية للشركات الكبرى والبنوك لتبني تمويل "الصندوق الوطني لدعم التعليم"، وتوجيه المنح والمساعدات لتغطية نفقات التعليم التعويضي، بالتوازي مع إطلاق مبادرات مجتمعية محلية لإسناد الهيئات التدريسية. إن معالجة الفاقد التعليمي المتراكم تقتضي الانتقال الفوري من مربع تشخيص المشكلة وإصدار البيانات إلى مربع الفعل والسياسات النافذة، فالاستمرار في إدارة الأزمة بالمسكنات دون تأمين عام دراسي كامل ومستقر سيعمق الأمية المقنعة بين الطلبة. وكما يؤكد المتحدث باسم الوزارة صادق الخضور، "إن مغادرة مربع تحميل المسؤولية إلى دائرة تحمل المسؤولية باتت ضرورة قصوى تفرض إسناد جهود الوزارة من كل الأطراف لحماية مستقبل جيل كامل من الضياع".

لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق