العودة إلى المدونة
سياسات اجتماعية

تحت وقع المقاصة: القطاع الصحي الفلسطيني في غرفة الإنعاش

5 دقائق قراءة 16 يوليو 2026
تحت وقع المقاصة: القطاع الصحي الفلسطيني في غرفة الإنعاش

في رواق مستشفى رام الله الحكومي المكتظ، تقف المواطنة (ش. م) عاجزة أمام ورقة موعد لا تملك من قيمتها سوى حبرٍ جفّت أمامه الخيارات الطبية.

رام الله- جينا جمال- منصة ظل:

في رواق مستشفى رام الله الحكومي المكتظ، تقف المواطنة (ش. م) عاجزة أمام ورقة موعد لا تملك من قيمتها سوى حبرٍ جفّت أمامه الخيارات الطبية. تروي بمرارة تفاصيل ذلك اليوم الذي قصدت فيه المستشفى برفقة والدتها، التي تعاني من ارتفاع حاد في الدهون والكوليسترول وتسارع مقلق في نبضات القلب. رُفض استقبال الأم، وحُرِمت من إجراء أي فحوصات مخبرية أو سريرية أولية. حاولت الابنة استعطاف الطبيب وإقناعه بإعادة النظر في الحالة، لتقابل برَدٍّ بارد يحمل دلالات العجز البنيوي: "يا حجة، مرضى السرطان أولى"، ثم انصرف. غادرت الأم الرواق بلا تشخيص أو علاج، يرافقها خوف أسرتها من مضاعفات صحية قد تكون قاضية.
لم تكن (ش. م) تستجدي معروفاً، بل تطالب بحق مكفول بقوة قانون التأمين الصحي الذي تسدد اشتراكاته شهرياً، لكنها اصطدمت بواقع يضع المنظومة الصحية برمتها في قفص الاتهام. هذا المشهد لا يمثل حالة فردية، بل هو نمط متكرر يعكس الفجوة الآخذة في الاتساع بين السياسات الرسمية والواقع الميداني، ويطرح سؤالاً سياساتياً عميقاً: حين يؤدي المواطن التزاماته المالية والضريبية كاملة، فمن يحمل وزر هذا الإخفاق الهيكلي الذي يهدد حق الفلسطينيين في الحياة؟
تشريعات معطلة: هندسة العجز المالي برعاية "بروتوكول باريس"
يضمن قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم (20) لعام 2004 التزام السلطة الوطنية بتقديم خدمات صحية متكافئة لجميع المواطنين دون تمييز، إلا أن هذا النص التشريعي يصطدم بجدار أزمة مالية بنيوية، تعمّقت إثر إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي اقتطاع معظم أموال المقاصة الفلسطينية المنظمة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994. وتشكل هذه الأموال، المستمدة من عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل على البضائع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر التي تسيطر عليها، الشريان المالي الحيوي لتمويل النفقات التشغيلية للوزارات والمؤسسات الحكومية في الضفة الغربية، وفي مقدمتها وزارة الصحة.
تشير الأرقام خلال أبريل الماضي إلى حجم الاختلال الهيكلي، إذ بلغ إجمالي أموال المقاصة المستحقة نحو 740 مليون شيكل، اقتطعت منها سلطات الاحتلال قسرياً حوالي 590 مليون شيكل، بحجة تسديد ديون مستحقة لشركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية الإسرائيلية، في حين جرى تجميد المبلغ المتبقي بالكامل، ما أدى إلى تصفير السيولة النقدية وتفشي عجز حاد في موازنة القطاع الصحي.
تأتي هذه الإجراءات الممنهجة التي تقودها الحكومة الإسرائيلية برئاسة وزير ماليتها بتسلئيل سموتريتش، لتوظيف الورقة الاقتصادية كأداة ضغط وعقاب جماعي رداً على التحركات الدبلوماسية الفلسطينية في المؤسسات الدولية. وكان وزير المالية الفلسطيني، اسطفان سلامة، قد أوضح أن إجمالي الأموال المحتجزة المتراكمة لدى الاحتلال بلغ نحو 13 مليار شيكل، وهو ما يعادل قرابة 68% من إجمالي الدخل العام الفلسطيني، الأمر الذي قوض قدرة الحكومة الناشئة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، بدءاً من دفع رواتب الكوادر الطبية وصولاً إلى تمويل النفقات التشغيلية للمشفيات والمرافق التي تخدم أكثر من ثلاثة ملايين مواطن.

تراكم المديونية ونفاد الدواء: ارتدادات الحصار على المشافي والأهالي

تنعكس هذه الأزمة المالية البنيوية بشكل مباشر على منظومة التحويلات الطبية السنوية التي تربط وزارة الصحة بالمستشفيات الأهلية والخاصة لتغطية العلاجات غير المتوفرة في المرفق الحكومي. وقد أدى تراكم المستحقات غير المدفوعة على مدار ثماني سنوات إلى بلوغ المديونية الحكومية لصالح القطاع الصحي الخاص نحو 3.6 مليار شيكل، ما أسفر عن تشوهات وظيفية حادة في توفر الخدمة والأمن الدوائي. وفي هذا السياق، أعلنت مستشفيات كبرى، يتصدرها المستشفى الأهلي في الخليل، وقف استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة نتيجة العجز المالي الحاد، مقتفية أثر قرارات سابقة اتخذتها الجمعية العربية في بيت لحم، بالتزامن مع نفاد 180 صنفاً دوائياً أساسياً من القائمة الوطنية، ووصول مخزون بعض أدوية الأورام وسرطان الدم إلى الصفر.
لم تقتصر ارتدادات الأزمة على النقص الدوائي فحسب، بل امتدت لتضرب استدامة الموارد البشرية، حيث تتراوح فترات تأخر الرواتب للعاملين في المستشفيات الأهلية والخاصة بين عشرة وثمانية عشر شهراً وفق وضع كل مؤسسة، ما يضعف القدرة المؤسسية ويهدد صمود الطواقم الطبية، في وقت لا يعمل فيه بالمستشفيات الحكومية سوى طبيب واحد من كل أربعة أطباء مؤهلين، إذ يبلغ عدد الأطباء العاملين نحو 1,500 طبيب فقط من أصل قرابة 6,000 طبيب خريج ومؤهل في فلسطين. ورغم هذا النزيف، تواصل الحكومة تحويل الحالات المرضية المنقذة للحياة إلى مستشفيات القطاع الخاص والأهلي بفاتورة تتجاوز مليار شيكل سنوياً، غير أن هذه الاستجابة تظل ذات طابع تخفيفي مؤقت، ولا ترقى إلى مستوى معالجة الخلل التمويلي البنيوي الذي تعانيه المنظومة.
في المقابل، يوضح رئيس وحدة العلاقات العامة في وزارة الصحة، أنس الديك، "أن الوزارة تضع ملف توطين الخدمات الطبية في صدارة أولوياتها لتقليص الاعتماد على المشافي غير الحكومية والسفر الخارجي، بالتوازي مع المضي في مشاريع الأتمتة والتحول الرقمي للأنظمة الإلكترونية، بغية تسريع وصول المواطنين للخدمات ورفع كفاءة الجودة الإدارية في ظل الإمكانيات المتاحة للحكومة".

جدلية توزيع الموازنة

لا يتوقف النزيف الصحي عند الحصار الاقتصادي الخارجي الذي يفرضه الاحتلال، بل يمتد إلى عمق الخيارات السياساتية الداخلية وتوزيع الحصص المادية في الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. يشير د.ممدوح العكر، " أن الخيارات المالية تفتقر إلى التوازن المطلوب لحماية الصمود الاجتماعي، حيث تلتهم موازنات الأجهزة الأمنية والسيادية الجزء الأكبر من الدخل العام، في وقت يواجه فيه قطاعا الصحة والتعليم خطراً وجودياً يستدعي إعادة هيكلة فورية للنفقات العامة لترشيد الصرف الاستنسابي لصالح المرافق الحيوية.
تتقاطع هذه القراءة السياساتية مع الإشكاليات البنيوية التي يرصدها ائتلاف "أمان" للنزاهة والمساءلة، حيث يكشف عن ثغرات واضحة في منظومة الحوكمة والتعيينات داخل القطاع الصحي العام. ويظهر الواقع الإداري أن 57% من التعيينات في الوظائف العليا بوزارة الصحة جرت عبر التنسيب المباشر والتكليف المؤقت، مقابل 43% عبر المسابقات والتنافس العلني المفتوح، ما أضعف تكافؤ الفرص وأثر سلباً على كفاءة الإدارة القيادية للمرفق الطبي، ليتكامل غياب الشفافية الإدارية مع معضلة الشلل المالي في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمنظومة الرسمية.
بالمقابل، أشار وزير المالية د.استيفان سلامة، في تصريحات له منتصف تموز/ يوليو 2026، أن الحكومة تولي الأهمية لتأمين الدعم لقطاعات الصحة والتعليم والأمن، معلناً عن صرف دفعة مالية مخصصة لمستشفيات القدس الشرقية.
أما مدير مكتب الاتصال الحكومي، د. محمد أبو الرب، فأوضح في تصريحات صحفية مطلع تموز/ يوليو 2026، أن الأدوية والمستلزمات الطبية تستهلك حوالي 700 مليون شيكل سنوياً، ما يعادل كامل الإيرادات المحلية لشهرين، فيما تعمل الحكومة بشكل منهجي على توفير دفعات اسعافية عاجلة من الأدوية، والحصول على تمويلات دولية مباشرة لقطاع الصحة، ومساعدة شركات توريد الأدوية في الحصول على تسهيلات بنكية بضمانات حكومية. وينوه د. أبو الرب إلى أن الحكومة كانت قد خططت لخفض قيمة التحويلات الطبية إلى نحو 800 مليون شيكل سنوياً، عبر توطين الخدمة، إلا أن الإضرابات التي شهدها هذا القطاع اضطرت الحكومة لزيادة تحويل الحالات المرضية، خاصة المنقذة للحياة، إلى القطاع الخاص، وهذا ما زاد الضغط على الموازنة، حيث بلغت موازنة قطاع الصحة في العام 2025 حوالي 2.9 مليار شيكل، وهو ما لا تكفي مجمل الإيرادات السنوية للحكومة لتغطيته.

مخارج سياساتية لتأمين الأمن الصحي

في مواجهة هذا الشلل المالي البنيوي وتراكم ديون الحكومة للمستشفيات الخاصة وموردي الخدمات الصحيةر، يرى الخبير في الحوكمة ومكافحة الفساد، مؤيد عفانة، "أن التوجه نحو إنشاء صندوق حكومي تقليدي لتمويل القطاع الصحي من الإيرادات العامة يصطدم بقيود قانونية ومالية واضحة، نظراً لأن النظام المالي الفلسطيني يقوم على مبدأ الحساب الموحد للخزينة العامة التي تُجمع فيها الإيرادات في وعاء مالي واحد ولا تُخصّص لنفقات قطاع بعينه". وبناءً على ذلك، يقترح عفانة بديلاً سياساتياً تتمثل في "إنشاء صندوق وطني مستقل لدعم القطاع الصحي"، تساهم في تمويله شركات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمتبرعون من داخل فلسطين وخارجها، إلى جانب توظيف برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات ضمن إطار تشريعي واضح، على أن تخصص موارد هذا الصندوق حصرياً لدعم الخدمات الطبية. ويشدد عفانة "على وجوب إخضاع هذا الصندوق لمعايير حوكمة ورقابة صارمة من خلال مجلس إشراف مشترك يضم ممثلين عن الحكومة والقطاع الخاص وخبراء مستقلين، بما يضمن الشفافية والنزاهة والمساءلة الإدارية والمالية".
إن انهيار القطاع الصحي الفلسطيني ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة حتمية لأولويات سياساتية مختلة، والخروج من هذا النفق لن يتحقق بالترقيع، بل بإرادة سياسية حقيقية تضع حياة المواطن وصموده في صدارة الموازنات السيادية.
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق