العودة إلى المدونة
سياسات اجتماعية

غطاء "العطوة" وقوانين مجمّدة: كيف يفشل نظام التحويل الوطني في حماية نساء فلسطين من القتل؟

5 دقائق قراءة 17 يوليو 2026
غطاء

وثق مركز المرأة للإرشاد القانوني مقتل 49 امرأة خلال عامي 2023 و2024، أظهرت التقارير الرسمية تصنيفهن بواقع 21 حالة قتل مباشر، و12 حالة انتحا


تطرق الشابة جوسيان البالغة من العمر 24 عاماً، وهي أم لطفل عمره سنتان، باب منزل عائلتها، لا لزيارة عادية، بل فراراً من تنكيل مشهود كسا وجهها بكدمات وجروح مشوهة. تعانق والدها، مصدر أمنها الأول، راجية استرجاع حقها من زوجها المعنِف، لكن رد الفعل العائلي جاء بارداً، هدوء مريب وتوصيات بالصبر و"الستر" والعودة إلى جلادها كـ "بنت أصول". تكرر المشهد مراراً، وانتهى بخبر انتحارها، قبل أن يتبين لاحقاً أن الزوج، بالتعاون مع عائلته، خنقها وعمل على هندسة الجريمة لتبدو انتحاراً، وهي الحالة التي تلخص واقع آلاف النساء الفلسطينيات، اللواتي يواجهن منظومة تشريعية متكلسة موروثة من قانون العقوبات لعام 1960 تمنح المجرمين غطاءً للإفلات من العقاب وسط ثقافة مجتمعية تحوّل جرائم القتل إلى انتحار، أو ما يصفه مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي بـ "الاستنحار".
اتخذت السلطة الوطنية الفلسطينية سياسة حمائية عبر إقرار "نظام التحويل الوطني للنساء المعنفات" استجابة لمعطيات تشير إلى أن غالبية جرائم قتل النساء تسبقها فترات طويلة من التعنيف. وقد صدرت النسخة الأولى من النظام بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 18 لسنة 2013، ثم عدلت بالقرار رقم 28 لسنة 2022، ودخلت حيز النفاذ عام 2023 بهدف مأسسة العمل بين القطاعات الصحية والاجتماعية والأمنية لمنع تصاعد العنف إلى جريمة قتل. إلا أن هذا النظام يفتقر إلى المظلة التشريعية الرادعة التي كان من المفترض أن يوفرها "مشروع قانون حماية الأسرة من العنف" الذي بدأ مركز المرأة للإرشاد القانوني تطوير مسودته بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مناهضة العنف ضد المرأة منذ عام 2004، حيث يركز على التدابير الوقائية وتغيير الانطباع التقليدي بعدم تدخل الدولة في الشؤون الأسرية، إلا أنه لم يقر حتى اليوم، ولا تزال آخر مسودة له معلقة منذ عام 2022.
تقود وزارة شؤون المرأة هذه السياسة بالشراكة مع اللجنة الوطنية لمناهضة العنف، وبتمويل يبلغ 2,905,059 شيكلاً من الموازنة العامة، ما يمثل 36.8% من ميزانية الوزارة، وفي المقابل تخصص وزارة التنمية الاجتماعية نحو 2.5% من ميزانيتها لتشغيل مراكز الإيواء مثل مركز محور، بينما يعتمد النظام بشكل أساسي على التمويل الخارجي من الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، والشبكة العالمية للتنمية لتشغيل بيوت الأمان عبر القطاع الأهلي بمبالغ تتجاوز 327 ألف شيكل لمشاريع المساواة والتمكين. وتمر هذه السياسة بأربع مراحل بنيوية تشمل تحديد المشكلة ورصد ميل النساء للحلول العشائرية بين عامي 2004 و2009، والاستجابة للضغوط وتأسيس وحدات حماية الأسرة في جهاز الشرطة بين عامي 2011 و2013، ثم التنفيذ الفعلي بعد توقيع فلسطين على اتفاقية "سيداو" بين عامي 2014 و2021، وصولاً إلى مرحلة الرقمنة وإطلاق السجل الإلكتروني الموحد منذ عام 2022 وحتى الآن.

قفزة الأرقام وظل "العطوة" العشائرية

تثبت البيانات الحقوقية ارتباط تصاعد الجريمة بالثغرات القانونية، إذ ارتفع عدد الجرائم من 13 حالة عام 2012 إلى 27 حالة عام 2014 نتيجة استغلال المادة 99 من قانون 1960 التي منحت القتلة عذراً مخففاً تحت مسمى "قضايا الشرف". ورغم إلغاء هذه الأعذار بموجب قرار بقانون رقم 10 لعام 2014، وانخفاض الجرائم مؤقتاً إلى 15 حالة عام 2015، إلا أن وتيرة القتل عادت للتصاعد عام 2016 برصد 23 حالة بين الضفة وغزة، بينما وثق مركز المرأة للإرشاد القانوني مقتل 49 امرأة خلال عامي 2023 و2024، أظهرت التقارير الرسمية تصنيفهن بواقع 21 حالة قتل مباشر، و12 حالة انتحار، و5 حالات سقوط من علو أو في بئر، و 3 حالات جلطات قلبية، وحالتي غرق، وحالة واحدة وفاة طبيعية، و5 حالات في ظروف غامضة، وسط تدني نسبة شكاوى النساء المعنفات إلى 2% في الضفة و1% في غزة وفق مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2019.
يرى الباحث والمنسق في مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، نبيل دويكات، أن حجج القتلة تنوعت بعد إسقاط العذر المخفف، مستشهداً بقضية الناشطة سهى الديك عام 2014 التي ادعى زوجها وفاتها بسكتة قلبية، ولكن الحقيقة أن زوجها قام بخنقها وإثر ذلك تعرضت للسكتة، وقضية إسراء غريب عام 2019 التي تدرجت روايات عائلتها من الجلطة الدماغية والسقوط إلى الوفاة أثناء طقوس "استخراج مس شيطاني"، بينما تمثلت الحقيقة في تعرضها لعنف أسري مميت من والدها وشقيقها. ويضيف دويكات " أن المنظومة العشائرية تتدخل دوماً لفرض روايات موحدة تنهي القضايا تحت شعار "حفظ السلم الأهلي"، ما يضعف موقف القانون والعدالة الجنائية إذا كان الجاني من العائلة نفسها التي تسقط حقها الشخصي وتنهي الأزمة بـ "عطوة" مالية".
من جهتها، تؤكد منسقة وحدة النوع الاجتماعي في مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، ناهد أبو طعيمة، أن حملات التوعية نجحت في فتح النقاش العام لكنها أخفقت في الضغط لإقرار القانون الحامي، داعية الإعلام إلى التوقف عن "تجهيل الفاعل" ومواجهة التبرير المجتمعي للجرائم. وتشير أبو طعيمة إلى أن الإجراءات البيروقراطية الطويلة في أروقة المحاكم ومراكز الشرطة تشكل بيئة طاردة تدفع النساء المعنفات لسحب الشكاوى لغياب تدابير الحماية الفورية والمستدامة التي تضمن سلامتهن بعد التبليغ.

سيادة العُرف وتغول الحسابات السياسية

يشير دويكات إلى، "أن انعدام الولاية القانونية للمرأة على ذاتها، يمنح عائلتها الحق في إسقاط الحق الشخصي وسلب العقوبة قيمتها الردعية. على سبيل المثال، زوج سهى الديك حُكم أولاً بالسجن عامين ونصف العام تحت بند "القتل القصد المقترن بعذر مخفف أي ثورة الغضب" وأطلق سراحه بعد أشهر، قبل أن يرفع الحكم إلى عشر سنوات نتيجة الضغط النسوي المستمر، في حين تحولت الديات المادية إلى بديل عن العدالة الجنائية بعد أن بلغت دية جوسيان في "العطوة العشائرية" 300 ألف شيكل". تشير أبو طعيمة إلى قيد بنيوي آخر يتمثل في تنازل السلطتين المدنية والقضائية عن حقهما لصالح العشيرة، مما يكرس إفلات الجناة من العقاب ويتكامل مع ثقافة أبوية تبرر العنف المنزلي وتطالب المرأة بالتحمل، كما حدث مع صفاء شكشك التي خنقها زوجها ولف حزاماً حول عنقها مدعياً انتحارها.
وتتجسد المعضلة التشريعية الكبرى في تجميد قانون حماية الأسرة من العنف رغم وجود المادة 41 من القانون الأساسي المعدل لعام 2003، والتي تقضي بنفاذ القوانين تلقائياً بعد مرور 30 يوماً من تنسيبها دون الحاجة لتوقيع الرئاسة، على غرار ما حدث تاريخياً مع قانون الأحوال المدنية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات. يعزو دويكات التعطيل الحالي إلى حساسية التشريعات المتعلقة بحقوق النساء، بينما ترجع أبو طعيمة الأزمة إلى غياب الإرادة السياسية، مستشهدة بأن الرئيس الراحل عرفات وصف هذا الملف بـ "عش الدبابير"، واشترط الرئيس محمود عباس فتوى شرعية من الأزهر لإنفاذه، مما يعكس تغول الحسابات التقليدية أمام حملات التحريض والترهيب والتكفير التي تقودها تيارات مضادة اتهمت القانون باستهداف النسيج الاجتماعي والديني.
تختزل قضية جوسيان الفجوة الكبيرة بين النص المعطل والواقع، إذ لم يصدر حكم قضائي رادع بحق قاتلها حتى الآن، وظل طفلها يواجه مجتمعاً سُوّيت فيه حياة أمه بمبلغ مالي تم دفعه للعائلة. إن فشل السياسات العامة في حماية النساء لا يقاس بالثغرات الإجرائية والفنية فحسب، بل بعدد الأرواح التي تزهق سنوياً في انتظار قانون نافذ يحمي حق المرأة الفلسطينية في الحياة والأمان وينهي التداخل بين القانون المدني والأعراف العشائرية.

متطلبات ردم الفجوة السياساتية والتشريعية

يتطلب إصلاح هذا الخلل البنيوي الشروع في الإنفاذ الفوري للقوانين المعطلة، وعلى رأسها قانون حماية الأسرة من العنف المودع لدى مجلس الوزراء منذ عام 2022، لتوفير الغطاء القانوني الملزم لنظام التحويل الوطني، وتفعيل المادة 41 من القانون الأساسي لإنهاء سياسة التجميد المرتبطة بالحسابات السياسية والاجتماعية. كما يستوجب الواقع تنظيم التدخل العشائري، وحظر انعكاسه على الشق الجنائي، ومنع استخدام "العطوات" والصلح العشائري كأداة لإسقاط الحق العام أو تخفيف الأحكام القضائية في جرائم قتل النساء وتعنيفهن، مع ضمان حصر القضية في المسار القضائي الرسمي دون اعتبار لإسقاط الحق الشخصي من قبل العائلة.
ويستدعي المشهد كذلك تطوير الخطاب الإعلامي والمجتمعي عبر بناء سياسات تحريرية واضحة في وسائل الإعلام الرسمية والأهلية تلتزم بـ "أنسنة" الضحايا وتسمية الجناة دون مواربة أو تجهيل، بالتوازي مع تكثيف برامج التوعية المجتمعية التشاركية لكسر الصور النمطية ومواجهة حملات التحريض المضادة التي تقودها التيارات المحافظة. كما يجب الإسراع في توفير الدعم المالي المستدام من الموازنة العامة لتشغيل بيوت الأمان ومراكز حماية المعنفات، لتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي المشروط، وضمان توفير ملاذات آمنة وإجراءات حمائية فورية تشجع النساء على الإبلاغ عن العنف قبل تحوله إلى جريمة قتل تحت مسميات مضللة.

لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق